محمد بن عبد الله الصفار

135

رحلة الصفار إلى فرنسا

عند خروجهم ، ليلا يحمل فيها خفية ما لم يدفع عليه مكسا . ولهم وكلاء ونقباء على الطريق بخصوصها يتعاهدون إصلاحها ويقومون به ، لا شغل لهم إلا ذلك ، والغالب أن تكون دورهم على الطريق . ومن اعتنائهم أنه كلما افترق طريقان ، نصبوا في مفرقهما عمودا فيه لوح مكتوب فيه أين تخرج هذه وأين توصل هذه . وسهولة الطريق سبب في سهولة المقصد . ولهم في جوانبها رشوم بالغباري للأميال « 1 » ، فحيثما كان المسافر منها يعرف كم مضى له من محل خروجه ، وكم بقي له للمحل الذي يقصده . ثم إن السفر يتيسر في هذه البلاد ليلا ونهارا من غير مشقة ولا تعب ، وذلك لما عندهم من الأمان التام « 2 » . فلا يخشى المسافر من لص ولا قاطع طريق ولا متعرض . ولأجل ذلك لا ترى فيهم من يحمل سلاحا قط ، وإنما يحمل السلاح العسكر فقط في حال احتياجه إليه . ولسهولة الطريق فيتمكن الإنسان من المشي فيها كل وقت من ليل أو نهار ، ولو كانت في وسط بلد ، لأن بلدانهم لا تغلق أبوابها اكتفاء بالحراس ، وغالبها لا سور لها ولا أبواب ، ففي أي وقت وصلتها تدخلها . ولعدم إعياء الدواب وتعبها لأنها تتبدل هي وسائقها في كل ساعة ، ففي

--> ( 1 ) الميل ، من وحدات قياس المسافة المستعملة عند العرب والأوربيين على السواء . جاء عند ابن خلدون أن الميل يعادل أريعة ألف ذراع ، أي حوالي كيلومترين . 96 : 1 Muquaddimah ، ثم الهامش رقم 19 من الصفحة نفسها . أما رشوم الغبار ، فهي الأرقام العربية . ( 2 ) من العلامات الدالة على كفاءة الحكام ، النجاح في ضمان أمن الطرقات وسلامة المتنقلين عبر أرجاء البلاد ، 2 : 3 Muqaddimah . وكان المسافرون ملزمين بالاعتماد على أحد ممثلي المخزن المحليين لحماية أنفسهم من مخاطر الطرق . وقد أشار جون دارموندهاي إلى أن البادية المغربية « مليئة باللصوص ، فأرغم السلطان قبيلتين أو ثلاثا على نصب الخيام قرب الطريق لحماية المسافرين من شرورهم » . انظر Journal , p . 25 ، لكن حينما ينتقل الموكب السلطاني في ما يسمى ب « الحركة » ، يصبح الأمر ممارسة سياسية الهدف منها إثبات وجود السلطة المخزنية : انظر : J . Dakhlia , " Dans la mouvance du prince : la symbolique du pouvoir itine ? rant au Maghreb " , Annales : Economies , Socie ? te ? s , Civilisations 43 , 3 ( mai - juin 1988 ) : 735 - 760 .